ابن ميثم البحراني

381

شرح نهج البلاغة

عليهم من تنغيض سعة الغنى بلواحق الفقر والفاقة كما قال : وبينما الإنسان في ملكه أصبح محتاجا إلى الفلس . وكذلك إلحاقه السلامة في النعم بطوارق الآفات من غرق أو حرق أو غصب ظالم وغلب غاشم وكذلك وسعة الأرزاق وفرج أفراحها وتكديرها بغصص أحزانها وأتراحها ثمّ خلقة الآجال متفاوتة بالطول والقصر والتقدّم والتأخّر . الفائدة التاسعة : تقديره للموت متّصلا بأسبابها ولمّا كان الأجل عبارة عن وقت ضرورة الموت وكانت أسباب حلول تلك الآفات هي بعض الأمراض أو القتل مثلا لا جرم صدق أنّ الموت الَّذي هو عبارة عن مفارقة الأرواح لأجسادها متّصلا بتلك الأسباب ، واستعار لفظ الخلج وهو الجذب للموت ، ورشّح بذكر الأشطان ، ووجه المشابهة ما يستلزمه الموت من قرب الأجل كما يستلزمه الجاذب من قرب المجذوب إليه فقدّر الموت جاذبا للأجل بالحبال كما يجذب بها الإنسان ما يريد ، وأمّا كونه قاطعا لمرائر أقرانها فاستعار أيضا لفظ المرائر لأسباب العلاقة بين اقتران الآجال وهم المتقاربون في الزمان الواحد الَّذي يتّصل بهم الأجل وتلك الأسباب كالصداقة والأخوّة وساير أسباب العلاقة بين الناس ، وظاهر كون الموت قاطعا لتلك المرائر . الفائدة العاشرة : أنّه عليه السّلام جعل قسمة اللَّه تعالى للأرزاق وتقديرها بالكثرة والقلَّة والضيق والسعة صورة ابتلاء من اللَّه للشكر من الأغنياء والصبر من الفقراء وقد أشرنا في قوله : ألا إنّ الدنيا دار لا يسلم منها إلَّا فيها . إلى أنّ المراد بالابتلاء من اللَّه معاملته تعالى لعباده معاملة المبتلين المختبرين لأنّه سبحانه عالم الخفيّات والسرائر فلا يتصوّر في حقّه الاختبار حقيقة ، إلَّا أنا نزيده هاهنا بيانا فنقول : إنّ العبد إذا تمكَّن في خاطره أنّ ما يفعله اللَّه من إفاضة نعمه عليه أو حرمانه لها ابتلاء لشكره أو صبره فشكر أو صبر حصل من شكره أو صبره على ابتلائه ملكات فاضلة في نفسه يستعدّ بها لمزيد الكمال وتمام النعمة كما قال تعالى « لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ » وقال « وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ والْجُوعِ ونَقْصٍ مِنَ الأَمْوالِ والأَنْفُسِ والثَّمَراتِ وبَشِّرِ الصَّابِرِينَ الَّذِينَ إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قالُوا إِنَّا لِلَّهِ » ( 1 ) وأمّا التحقيق في أمثال هذه القسمة من ضيق

--> ( 1 ) 2 - 152